الأحد، 25 أكتوبر 2015

تحررت ....قصة قصيرة ..بقلم / ميرفت البلتاجي


‫#‏تحررت‬قصة قصيرة بقلم\
‫#‏ميرفت_البلتاجي‬
صور الأطفال معلقة بكل مكان على جدران العيادة, يتمايلون بدلال بأوضاع مختلفة, جالسون, واقفون, مضجعون على أسرتهم ضاحكون وبكائون... و في بعض الصور متجهمون.. ولكن اللافت للنظر أنهم في كل أحوالهم يفطرون القلب بجمالهم وروعة أجسادهم الصغيرة, كادت تفقد صوابها وهي تجيل النظر بكل اللوحات وتتخيل جنينها الذي لم ير ضوء النهار بعد, كان من الممكن أن تكون ابتسامته مثل هذا الطفل بين أحضان تلك السيدة الجالسة بانتظار دورها لترى الطبيب,..ومن الممكن أن تكون طفلة شقراء بعينين تملأهما الشقاوة مثل تلك الطفلة التي تلعب جوار أمها وتكاد تفقدها صوابها من حركاتها الكثيرة الشقية, تأملت الزوجان الآخران, يبدو أن هذا حملها الأول فزوجها يمسك بيديها وكأنها ستهرب منه ويده الأخرى تتحسس بروز بطنها الكبير بفخر وحب يشع من عينين تفيضان حناناً وحباً,... اغرورقت عيناها بالدموع وسرحت بخيالها بحلم لن يتحقق, حلمت بذراعيها يضمان جسد وليدها متوسداً صدرها, ينعم بأمان دقات قلبها, وتتنعم بحلاوة شفاه لا تخلو من ابتسامة مغردة, أو ترتعشان باهتزازة عندما تحدوه الرغبة في البكاء, فيسرع لأحضان أمه تسمح عنه دمعاته اللؤلؤية وتهدهده بأرق النغمات, انتبهت من أحلامها المستحيلة على صوت الممرضة تنادي على اسمها:
"السيدة هالة حسين"
اعتصرت يداها بين أصابعها تنضحان عرقاً من شدة توترها ورعبها, وكأنها على قيد خطوة من الموت, كانت الممرضة تجيل النظر في السيدات في قاعة الانتظار فعاودت السؤال بنبرة أعلى:
"السيدة هالة حسين, هل هي هنا؟"
وقفت هالة لتظهر من إحدى الزوايا حيث كانت مختبئة, تشعر بركبتيها تتخبطان في بعضهما, ثم ردت بصوت ضعيف:
"نعم, أنا هنا, هل, هل حان الوقت؟"
ردت الممرضة من دون أن ترد على سؤالها
"تفضلي معي سيدتي, الطبيب يرغب بالتحدث إليك"
تمسكت بحقيبتها بقوة وكأنها ستمنحها القوة لمواجهة قرارها المصيري
وقف الطبيب الشاب لتحيتها باحترام:
"أهلاً سيدة هالة, تفضلي بالجلوس رجاءاً"
أومأت برأسها دون أن تستطيع النطق, جلست مطرقة الرأس حتى بادرها الطبيب
"تبدين متوترة, هل تراجعت عن قرارك لإجهاض جنينك؟"
ردت باندفاع:
"لا لم أتراجع, أنا مقتنعة بصواب قراري وما زلت مصرة على موقفي"
فتح الطبيب ملفاً أمامه وأخذ يتصفح أوراقه, ثم رفع رأسه إليها بابتسامة هادئة مطمئنة
"ما زلت في أسبوعك الرابع, أي ما زال أمامك فرصة أكبر للتفكير"
ردت بإصرار متزايد
"سيدي الطبيب أرجوك, لست بحاجة لفرصة أكبر للتفكير, لقد فكرت جيداً, ولن أعيد التفكير في قرار سبق أن اتخذته"
أومأ برأسه:
"هذا جيد, كان لابد أن أتأكد من قرارك, أمهات كثيرات تتراجعن في اللحظة الأخيرة, وأحياناً بعد فوات الأوان مع الأسف,ولكن ومع خالص أسفي أيضاً لن أستطيع إجراء أي عملية لك اليوم"
صاحت بشبه صراخ:
" ولكن هذا مستحيل, لقد حددت معي اليوم لإجراء العملية, أنت لا تعرف لابد أن أنتهي من هذا الأمر اليوم, سيدي الطبيب أرجوك افهمني, لن أحتمل الانتظار ساعة أخرى "
رد الطبيب بابتسامة مشجعة:
"مازال بإمكانك التراجع, لو كان أمر التخلي عن الجنين بهذه الصعوبة على نفسك, لاحظت ترددك ولو لم تنطقيه بكلمات محددة, ولكني أرى صراعاً تدور رحى معركته داخل عيناك الزائغتان واندفاعك"
أغمضت عيناها بقوة لتسيل دموعها الحارة على وجنتيها :
" أرجوك...لا... لا يمكنني الاحتفاظ بهذا الجنين, ولا يمكنني التراجع, أرجوك, لابد من إجراء العملية اليوم أنا مستعدة حقاً"
سألها فجأة
"هل أنت متزوجة؟"
ردت بثقة وكأن سؤاله أهانها:
"نعم بالطبع وماذا تظن؟"
أطرق رأسه معتذراً:
"أعتذر سيدتي عن السؤال, ولكنه ينقلني للسؤال التالي, هل أخذت موافقة زوجك على الإجهاض؟"
صمتت ولم ترد, لم تستطع اختلاق كذبة ولو كانت ستخرجها من موقف محرج, فأغلق الطبيب الملف أمامه وهز رأسه بأسف قائلاً:
"أعتذر لك سيدة هالة, بدون موافقة الزوج لا يمكنني التقدم خطوة واحدة بهذا الأمر, عودي غداً بصحبته ليبلغني بنفسه قراره بالموافقة,أو على الأقل موافقة كتابية منه... لن يمكنك تخيل كمية الدعاوي القضائية التي ترفع ضدنا لأسباب كثيرة أتفه بكثير من عدم موافقة الوالد على الإجهاض"
صاحت بارتباك:
"ولكن هذا مستحيل, أنا لم أخبره بحملي من الأصل"
"أعتذر مرة أخرى, هذا الموضوع غير قابل للمفاوضة"
حاولت استعمال التحايل بعد أن رفض أي طريقة أخرى حتى الرجاء
"ولكن يمكنك تجاوز هذه المعلومة التي تطوعت بإخبارك بها دون أن أدري تأثيرها على قرارك, هو أني متزوجة, يمكنك اعتباري كأي فتاة من الشارع تتوسل إليك أن تخلصها من عارها"
هز رأسه وقد لاحظ يديها المتوسلتين المرتجفتين قائلاً بتأثر:
"يبدو أنه جَرحك جُرحاً عميقاً جداً لدرجة اتخاذك لهذا القرار الصعب, اسمعي نصيحتي, اجلسي مع زوجك في جلسة مواجهة, وصلا معاً لحل يرضي جميع الأطراف, وأنا سأكون في خدمتك في أي قرار يتم اتخاذه بالإجماع أنت وزوجك, بالإجهاض أو بالعناية بك حتى تضمين وليدك بين ذراعيك"
تهدلت ذراعيها بإحباط بعد أن فشلت كل محاولاتها بإقناعه.
انصرفت غاضبة صافقة الباب خلفها, قادت سيارتها كالمجنونة وقد غابت كل معالم الطرق خلف سحابة من الدموع التي ظلت تسيل على وجهها بلا انقطاع,وفجأة أخذت تطرق المقود بيديها بعصبية هستيرية وهي تصرخ
"أتحدث معه, أتناقش معه, ذلك الصعيدي المتغطرس الذي لا يجيد أي شيء في حياته إلا إلقاء الأوامر و....والخيانة"
ظلت تتجول بسيارتها إلي أن تأخر بها الوقت ليلاً ووجدت نفسها داخل باحة الفيلا... الفيلا التي دخلتها منذ ثلاثة أشر فقط كأسعد عروس في العالم متأبطة ذراع عريسها الوسيم الأسمر المثقف رجل الأعمال اللامع في طبقة المجتمع الراقي... السيد فارس السيوفي, وقد ظنت يومها أنها ملكت الشمس بالنهار والقمر ليلاً, فارس الذي أثبت أنه عاشق رائع كما هو رجل بمعنى الكلمة, لدرجة أنها سخرت من موقفها الأول منه فقد كان يبث الرعب في قلبها كلما التقت به, فمن لا يعرفه ويرى تلك الخطوط القاسية المنحوتة منها ملامحه والتي تعطي انطباعاً كأنه قد من حجر صوان, بالإضافة لغطرسته ولا مبالاته وتعاليه لإحساسه بالتفوق الطبيعي لأصوله الصعيدي, ولكنها عندما اقتربت منه رأته من أكثر الرجال تواضعاً ولباقة ورومانسية.
صعدت الدرجات المتبقية تجر أقدامها جراً, أصدر الباب صوت صريره المزعج المعروف وهي تدفعه لتدخل, كانت الفيلا مظلمة لدرجة انقبض معها قلبها ذعراً, فكانت الأضواء القليلة, المتناثرة في الردهات تصنع خيالات تزيد من انقباضه قلبها وهي تتحرك بحذر حتى الدرج المغطى بالسجاد الأحمر السميك, رغم كل شيء شعرت بنسمات من الراحة لتأخير المواجهة, فلا شك أن فارس لم يعد بعد, لابد أنه يتمرغ في أحضان تلك الساقطة الحقيرة التي خطفته منها...هنيئاً لها به, ولكن قبل أن تطلب منه الطلاق لابد أن تتخلص من كل ما يربطها به كي لا تترك وراءه ما يذكرها به في كل لحظة, حتى لو كان جنينها الذي ما اقترف ذنباً في حياته التي لن تبدأ بعد إلا أنه ابن ذلك الخائن, تشبثت بحاجز الدرج الخشبي كي ترفع جسدها المنهك الثقيل وتحمل نفسها على الصعود.
توقفت أمام الباب الأول في الردهة الطويلة لتجرفها الذكريات, عندما حملها فارس بفستانها الأبيض الطويل راكضاً يقفز على درجات الدرج كأنه يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه لا عروسه الجميلة الفائقة الجمال, ثم أوقفها عند الباب الأول قائلاً:
"أتعرفين لمن هذه الغرفة؟"
لم ليخبرها بلسانه, فتحدثت الغرفة بنفسها عندما فتح الباب.... خطت داخلها مبهورة بجمال ألوانها الزاهية الرائعة والفراش الصغير بأغطيته الوردية واللعب الكثيرة التي تتناثر في أنحاء الغرفة, أطرقت برأسها في خجل فرفع وجهها يتطلع إليه بجرأة وكأنه سيلتهمها:
"هالة, ما أجملك, لم أصادف يوماً امرأة تجمع بين الجمال والذكاء, ستكونين أروع أم كما أنك أجمل عروس"
حاولت إغلاق أبواب ذكرياتها...إلا أنها أبت إلا أن تفتح على مصراعيها...فشعرت بتقيح جرحها وخيالها يسافر في ليالي شهر العسل... كل ليلة كان فارسها يحملها إلى عالم السحر والخيال والحب, كان ماهراً في كل شيء لدرجة نسيت معها نفسها.. تحولت لامرأة لا تفكر إلا بعقله.. ولا تتكلم إلا بلسانه.. ورغم ذلك لم تتذمر أبداً فقد كان يسعدها تحولها للاشيء أمامه...هو زوجها وحبيبها وعشيقها, وكانت تلك السعادة ستستمر للأبد هذا ما ظنته حتى الأمس فقط, شهقت متراجعة عندما بهرت عيونها الأضواء التي فتحت فجأة.
تراجعت بخوف عندما ظهر من العدم...دق قلبها بعنف وهو يحدجها بتلك النظرة التي اخترقت عظامها وأذابتها...لابد عرف ما كانت تنتويه ...ولكن...كيف عرف..هل استطاع الطبيب الوصول له وتحذيره..زمجرته الخشنة المهددة وهو ينادي باسمها جعلتها تدرك صدق توقعاتها...أفلتت هاربة من جواره قبل أن يستطيع الإمساك بها:
ـ هاااااالة..
استرقت نظرة خلفها لتراه إن كان سيتبعها...وفجأة لا تدري ما حدث, وجدت نفسها تطير في الهواء بشهقة رعب تمد يديها وكأنها تسبح في القضاء تحاول التشبث بأي شيء...امتدت يداه غريزياً متخيلاً نفسه سيستطيع الوصول إليها ليجنبها تلك السقطة المهلكة متدحرجة على الدرج....وقف مذهولاً بعجز يراقب جسدها المسجى على آخر درجة وبقعة من الدماء بدأت تتسع بشكل مطرد كأنها ثقباً أسود سيبتلعها ...زاغت عيناها لأعلى كان ما يزال متجمداً مكانه...تبدلت تلك النظرة الغاضبة في عينيه...قلق...خوف...خوف!!!
صورته الساحرة, فقدت تأثيرها, اختفى الطنين من أذنيها, لقد فكت طلاسم سحره عليها وتحررت, نعم تحررت..أغمضت عيناها رغم الألم بابتسامة.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

src='http://ajax.googleapis.com/ajax/libs/jquery/1.4.2/jquery.min.js' type='text/javascript'/>
مرحباً
مرحباً بكم في مدونتنا شُعراء الألـفـيّة - Millennium poets ، يمكنكم متابعنا أول بأول عبر صفحتنا ! إضغط على