الأحد، 13 ديسمبر 2015

المتناقض ..قصة قصيرة ...بقلم / مصطفى الملواني

المتناقض - قصة قصيرة

"اياكْ انْ تُغرمي به , اِنَّه شخصَ غامضَ , ليس غموضُهُ جذابا , انما هو شخصٌ خطيرٌ حقا "
قالتها سارة لصديقتِها وقدْ ارتسمت على وجهِها ملامحُ القلقِ والخوفِ ممزوجة بقليلٍ من الغضبِ , ردَّت عليها مريم ساخرةً :
- وكيف علمت بانه "خطير حقاً" ؟
" جئت هنا بالسابقِ مع احدى صديقاتي القُدامى , رأيتُهُ يتشاجرُ مع أحدهم , كان يضربُه بلا رحمة , شعرَتُ انه استحضرَ كل قواهُ واستفرغَ كل طاقته يضربه , وكاد الشابُ انْ يُقتل ولم يستطعْ احد ان ينقذَه من بين يديهِ , ولم يتركْهُ الا عندما شعرَ هو الآخر انهُ على وشك ان يموت , فتركه وذهبَ , وقالت لي صديقتي ان شهرته بكل الجامعة , يقولون انه مجنون او مريض نفسي , ربما الشيئان شيء واحد "
قالت باستهجان :
- شيء واحد ؟ المجنون والمريض النفسي ؟
ردت عليها صديقتها بعدمِ اكتراث باهمية الفارق بين اللفظين :
" لا يهمْ , كلاهما لا يمكن ان تفهمِ افعالهما , ولا يمكن ان تفعلِ معهما سوى ان تبتعدِ قدر الامكان "
بدأت المحاضرة وبدأ المحاضر بالقاء التحية وكلمات الترحيب الافتتاحية التي اعتاد ان يلقيها على طلابه , لا تمر دقيقة والآخرى الا وتكون قد وقعت عيناها عليه اكثر من مرة , وفي احدى المرات .. رأته يخرج شيء ويعطيه لجليسه بالمقعد , واعطاه الاخير شيء ملفوف يبدو وكأنه مال , كان ما اخرجه غريب الاطوار الاول واعطاه لصديقه يبدو وكأنه مخدر , شيء لونه ابيض بداخل كيس مغلق صغير , ادركت سريعا انه احد المخدرات البودرة , دخلت في حالة من التيه والدهشة لما رأته امام اعينها وهما يفعلان هذا ويمكن لجميع الجالسين ان يرونهما , انتهت المحاضرة .. يخرج غريب الاطوار من الصف , وتابعته هي بدافع رغبة داخلية لا تعلم سببها , رأته يذهب للمصلى عندما كان توقيت احد الصلوات , كادت ان تجن ,فلم تستطع ان تمنع نفسها , ذهبت بخطى سريعة تسير في خط مستقيم وبحدة تتجه نحوه عندما كان هو خارج من المصلى , اوقفته وهي في قمة الدهشة والغضب ايضا وسألته عن ماهو بفاعل :
"رأيتك تبيع له المخدر , والآن تخرج من المصلى بعد ان اديت فرض الظهر ؟ كيف هذا "
قال وهو مهتم بترتيب مظهره وارتداء حذاءه :
- تقصدين انني متناقض , اليس كذلك ؟
صمتت ,وظل هو صامتا حتي ارتدى حذاءه ثم وقف امامها قائلا وهو يحد النظر باعينها :
- نعم انت تقصدين ذلك , ولكن ما الغريب في هذا ؟
صمت للحظة ثم اضاف :
- حسنا .. سأخبرك بما هو غريب , ليس تناقضي بل الغريب هو انني اظهره , الغريب هو صراحتي الوقحة , الغريب كل ما هو غير مألوف , وانا الغريب , ولكن التناقض يملأ حياتنا , انظري حولك , اليابس والماء , العاذب والمالح , البراكين والسيول ,  , الحب والكراهية , الخير والشر .. كل شيء يولد من نقيضه , والمتناقض هو من يترنح في الوسط , يأتي يسارا ويأتي يمينا , لا يبقى مكانه ابداً , وكل البشر كذا , ولكنهم يستحيون من فطرتهم دائما وابدا , بالطبع يفشلون , ولكن لان كل البشر يريدون التستر من هذه الحقيقة فيصدق المتناقض شخص آخر متناقض مثله ؛ حتي يصدقه الآخر عندما يحاول هو انكار تناقضه
" هراء , بالفعل انت متناقض ولكن لما لا يكون ادعاءك بان كل البشر كذا هو احد الخدع لتستر تناقضك ؟ "
نظر لها نظرة تحمل بعض من الاعجاب النادر وقال :
- لايهمني تناقضكم , بل يهمني انني اعلم انني متناقض ولا استحي من هذا , بالأمس في طريقي للسيارة عندما كنت خارجا من احد النوادي الليلية وجدت سائلا علي جانب الطريق , اعطيته ويداي تترنح فقد كنت سكيرا , لا اعلم لما اعطيته الصدقة , ولكن ما اعلمه انني رغبت في منحه المال لمساعدته تماما كما كنت ارغب في القاء اموالي تحت ارجل الراقصة بالملهى , ارأيتي الي اي حد وصل تناقضي ؟
انهي سرد قصته الاخيرة ولم ينتظر ان يسمعها , تحرك بهدوء في طريقه , وتركها تتفكر في كل كلمة تفوه بها متحيرةٍ , علي الرغم من انه قدم لها بعض الاجابات علي تساؤلاتها , الا انه تركها بعد سرد قصته متعمدا ان يزيد من حيرة عقلها , انه غريب الاطوار , المتناقض ..

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

src='http://ajax.googleapis.com/ajax/libs/jquery/1.4.2/jquery.min.js' type='text/javascript'/>
مرحباً
مرحباً بكم في مدونتنا شُعراء الألـفـيّة - Millennium poets ، يمكنكم متابعنا أول بأول عبر صفحتنا ! إضغط على