المتناقض - قصة قصيرة
"اياكْ انْ تُغرمي به , اِنَّه شخصَ غامضَ , ليس غموضُهُ جذابا , انما هو شخصٌ خطيرٌ حقا "
قالتها سارة لصديقتِها وقدْ ارتسمت على وجهِها ملامحُ القلقِ والخوفِ ممزوجة بقليلٍ من الغضبِ , ردَّت عليها مريم ساخرةً :
- وكيف علمت بانه "خطير حقاً" ؟
" جئت هنا بالسابقِ مع احدى صديقاتي القُدامى , رأيتُهُ يتشاجرُ مع أحدهم , كان يضربُه بلا رحمة , شعرَتُ انه استحضرَ كل قواهُ واستفرغَ كل طاقته يضربه , وكاد الشابُ انْ يُقتل ولم يستطعْ احد ان ينقذَه من بين يديهِ , ولم يتركْهُ الا عندما شعرَ هو الآخر انهُ على وشك ان يموت , فتركه وذهبَ , وقالت لي صديقتي ان شهرته بكل الجامعة , يقولون انه مجنون او مريض نفسي , ربما الشيئان شيء واحد "
قالت باستهجان :
- شيء واحد ؟ المجنون والمريض النفسي ؟
ردت عليها صديقتها بعدمِ اكتراث باهمية الفارق بين اللفظين :
" لا يهمْ , كلاهما لا يمكن ان تفهمِ افعالهما , ولا يمكن ان تفعلِ معهما سوى ان تبتعدِ قدر الامكان "
بدأت المحاضرة وبدأ المحاضر بالقاء التحية وكلمات الترحيب الافتتاحية التي اعتاد ان يلقيها على طلابه , لا تمر دقيقة والآخرى الا وتكون قد وقعت عيناها عليه اكثر من مرة , وفي احدى المرات .. رأته يخرج شيء ويعطيه لجليسه بالمقعد , واعطاه الاخير شيء ملفوف يبدو وكأنه مال , كان ما اخرجه غريب الاطوار الاول واعطاه لصديقه يبدو وكأنه مخدر , شيء لونه ابيض بداخل كيس مغلق صغير , ادركت سريعا انه احد المخدرات البودرة , دخلت في حالة من التيه والدهشة لما رأته امام اعينها وهما يفعلان هذا ويمكن لجميع الجالسين ان يرونهما , انتهت المحاضرة .. يخرج غريب الاطوار من الصف , وتابعته هي بدافع رغبة داخلية لا تعلم سببها , رأته يذهب للمصلى عندما كان توقيت احد الصلوات , كادت ان تجن ,فلم تستطع ان تمنع نفسها , ذهبت بخطى سريعة تسير في خط مستقيم وبحدة تتجه نحوه عندما كان هو خارج من المصلى , اوقفته وهي في قمة الدهشة والغضب ايضا وسألته عن ماهو بفاعل :
"رأيتك تبيع له المخدر , والآن تخرج من المصلى بعد ان اديت فرض الظهر ؟ كيف هذا "
قال وهو مهتم بترتيب مظهره وارتداء حذاءه :
- تقصدين انني متناقض , اليس كذلك ؟
صمتت ,وظل هو صامتا حتي ارتدى حذاءه ثم وقف امامها قائلا وهو يحد النظر باعينها :
- نعم انت تقصدين ذلك , ولكن ما الغريب في هذا ؟
صمت للحظة ثم اضاف :
- حسنا .. سأخبرك بما هو غريب , ليس تناقضي بل الغريب هو انني اظهره , الغريب هو صراحتي الوقحة , الغريب كل ما هو غير مألوف , وانا الغريب , ولكن التناقض يملأ حياتنا , انظري حولك , اليابس والماء , العاذب والمالح , البراكين والسيول , , الحب والكراهية , الخير والشر .. كل شيء يولد من نقيضه , والمتناقض هو من يترنح في الوسط , يأتي يسارا ويأتي يمينا , لا يبقى مكانه ابداً , وكل البشر كذا , ولكنهم يستحيون من فطرتهم دائما وابدا , بالطبع يفشلون , ولكن لان كل البشر يريدون التستر من هذه الحقيقة فيصدق المتناقض شخص آخر متناقض مثله ؛ حتي يصدقه الآخر عندما يحاول هو انكار تناقضه
" هراء , بالفعل انت متناقض ولكن لما لا يكون ادعاءك بان كل البشر كذا هو احد الخدع لتستر تناقضك ؟ "
نظر لها نظرة تحمل بعض من الاعجاب النادر وقال :
- لايهمني تناقضكم , بل يهمني انني اعلم انني متناقض ولا استحي من هذا , بالأمس في طريقي للسيارة عندما كنت خارجا من احد النوادي الليلية وجدت سائلا علي جانب الطريق , اعطيته ويداي تترنح فقد كنت سكيرا , لا اعلم لما اعطيته الصدقة , ولكن ما اعلمه انني رغبت في منحه المال لمساعدته تماما كما كنت ارغب في القاء اموالي تحت ارجل الراقصة بالملهى , ارأيتي الي اي حد وصل تناقضي ؟
انهي سرد قصته الاخيرة ولم ينتظر ان يسمعها , تحرك بهدوء في طريقه , وتركها تتفكر في كل كلمة تفوه بها متحيرةٍ , علي الرغم من انه قدم لها بعض الاجابات علي تساؤلاتها , الا انه تركها بعد سرد قصته متعمدا ان يزيد من حيرة عقلها , انه غريب الاطوار , المتناقض ..

0 التعليقات