يوماً ما وحينَما كانَ للسعَادةِ قرار، وفي بيتِ أغرابٍ كان من المحتَملِ أن يكُونَ لِي به قدرُ الأنسَابْ، وبعدَ أن أصبَحتْ رائِحَةُ القهوَة تعبّقُ المكَان. وفي لحظَةِ إختِلاء في طرفٍ آخر من الغرفَةِ وفضُولِ فتَاة.
تتسَائَلُ ان كانَ لِي قدوَة ما !
أو شخصاً أبَروِز لهُ صُوراً بعرضِ الجِدارْ.
فرحتُ أسردُ لها قصّة شخصٍ لا أنسَاه:
فمنذُ أعوام كانَ لِي صديق يكبُرنِي بعشراتِ السنينْ، كانَ لهُ تلكَ الأطرافُ الشّائِبةَ في شعرِه، وشارِب أبيض يتخللهُ بعضُ السّوادْ. كانَ لعينيهِ السوداوينِ قصصاً أسطوريّة، يُضربُ بها الأمثَالُ في الحنَانْ.
كانَ ساحِراً وليسَ بساحِر، فذلِكَ الكفٌ حينَ تصافِحُه، أو تقبّله، يصنَع لك بثغرِه ابتِسَامةً لو كانَ الخوفُ جلمُوداً لتنَاثَر كحبّات الرمّال.
لم تكنِ حينهَا الكلمَاتُ تفِي بالغرَض، فأكملتُ بدمعٍ يسقِي أهلَ بغدَاد.
تسأل من الذي كان ؟! وأيّ صديقٍ هذا الذي تَبكِيهِ كطفلٍ لم يُعد يُبصِرُ أباه ؟!
تفجّر بعدهَا صبراً قتَلَ بنَا الكَثِيرُ إلى أن قيدنَاه.
وأكملتْ..
هو لم يكُن صديقاً فحسب.
فقد كانَ أولَ من يهِبُ لي الكُنيَة.
حتّى التَصَقَ بي اسمُه إلى أن ألحقَه.
كانَ أولَ من اقتَربَ إلى أذنِي وبصوتٍ دافِئ تجَانَسَ مع دمعٍ تسرّبَ عنوة، واختارَ لِي ديانَته.
كانَ أولُ من تعلمتُ نُطقه.
وفي أولِ محاولاتٍ للمشيِ فكان من يُنجِدُ سقوطِي يدُه.
كبرتُ حتّى أصبَح لي شارِباً يشبهه. ولا زلتُ لا أستيقِظُ إلا على دغدَغات أنامِلِه.
كبرتُ وكثُر ما أنجزتُه. ولا زال أكثر ما أفخرُ به أننِي ' ابنُه ' .
وأكبَرُ شهاداتِي غريبٌ قال بأننِي ' أشبهه ' .
نعم كانَ ' أباً ' بنكهَةِ كل علاقَاتِ البَشر.
رحَلَ وتركَ بنَا اشتِياقٌ مزمن، لا يشفِيه ذاكِرَة ولا صورْ.
تَرك ورائَهُ أرملةً لا زلنَا نصطادُ بكائها على قميصِه الأسود، تظنّ بأنّ لونه لن يترُكَ أثر.
تلكَ الأرملةُ كم بكت وكم ستبكِي حينمَا يجمعنَا القدَرْ.
لفتَ انتِباهِي قليلاً من الدّمع في عينيّ فتاتِي، فقررتُ أن ألتَزِم الصمت، وحينمَا عدتُ إلى رُشدي كانَ الهدوءُ قدْ سَطا الغرفَة، وكأنّ من فيهَا تبَخّر، إلتفتّ واذا بالجميعِ يُخفِي عينَه.
كانَ دمعُ أمي الأبرَز، خليطٌ من المشَاعِر آخِرهَا فرحة. وقبلَةٌ على الرأسِ استحضَرت طيفَه.
كم كانت تلكَ الفرحةُ ستكتمِل، لو أنّ أبي سيزفّ ابنَه.

0 التعليقات