ظلال الكلمات
كل كلمة لها تاريخ ومكانة تكتسبها مع الزمن من استخدامها على أرض الواقع من قبل المتكلمين بها. والمعروف جيداً أن الاستعمال الطويل يجعل لكل كلمة مفهوماً أو محتوى أو دلالة معينة نعرفها. ولكن بالإضافة إلى ذلك نشعر بشيء من الهالة أو الظل الخاص الذي يجعل لكل كلمة وقعاً معيناً وفريداً في نفوسنا حتى إن بعض الكلمات يصبح مجرد ذكرها مفردةً (أي بدون دخولها في تركيب لغوي) باعثاً لتداعيات نفسية أو فكرية معينة، أو ربما يطلق تصوراتٍ وخيالاتٍ ترتبط بها؛ فكلمة (رائع) مثلاً تعطيك شعوراً بالجمال مع الهيبة أو الشعور بالجلال أو بالرهبة إلى حد معين داخل نفسك، ولذلك قالوا: (الرائع هو الشيء الذي يأسر الفؤاد ويروعه)، أي يرهبه بجماله وعظمته، ومثل ذلك بيت الشعر المشهور في وصف وادٍ:
تروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
وأذكر أننا في طفولتنا كنا نسمع كلمات مثل (الثعلب والضبع والأسد والغول) وغيرها، فتثير فينا كل منها إعجابنا وخوفنا، وذلك لأن كل كلمة منها مرتبطة في خيالنا بأشياء معينة، تلقي بظلالها على نفوسنا.
ونأخذ أيضاً كلمات أخرى ذات مذاق مختلف، أو لها ظلال بعيدة عن السابقة؛ فكلمة (يولج) على سبيل المثال تعني (يُدخل)، ولكن هل الكلمتان متكافئتان فيما يصاحبهما من ظلال تلقيانها في النفس أو من إيحاءات يتلقاها المستمع أو القارئ؟ بطبيعة الحال لا يمكن أن نقول نعم هما متساويتان في ذلك؛ فكلمة (أدخل يُدخل) تعني مطلق الإدخال، وهي ذات طيف واسع ومجال فضفاض، بينما (أولج يولج) ليست كذلك، بل يشعر الإنسان بأن لها خصوصية تلقي بظلها في نفس الإنسان؛ فالإيلاج يعني إدخال شيء في شيء بما يوحي بالصعوبة والدقة وليس كالإدخال العادي، ولهذا فمن المستحيل أن تكون كلمة (يُدخِل) معادلة لكلمة (يولج) أو بديلة لها في قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) [فاطر:13] ...وهكذا. وفي حقيقة الأمر فإن ظلال الكلمات لا تقتصر على إحساس واحد، بل هي إحساس متنوع الأطياف ينبعث في نفس الإنسان ويوجهه إلى الاستخدام الأمثل للكلمات مهما كانت، فتراه يفاضل بين هذه الكلمة وتلك ليرى أيهما أكثر ملاءمةً لغرضه، وأيهما تجعل أسلوبه أكثر سلاسة ومنطقية وقدرة على بيان ما يقصده من معنى.....
[مقتطف من كتابي: (في ظلال فقه اللغة ص175)وهو الكتاب الثالث من سلسلة: نحو تأصيل لغويّ مقنّن ـ تحت الطبع ـ دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ]
كل كلمة لها تاريخ ومكانة تكتسبها مع الزمن من استخدامها على أرض الواقع من قبل المتكلمين بها. والمعروف جيداً أن الاستعمال الطويل يجعل لكل كلمة مفهوماً أو محتوى أو دلالة معينة نعرفها. ولكن بالإضافة إلى ذلك نشعر بشيء من الهالة أو الظل الخاص الذي يجعل لكل كلمة وقعاً معيناً وفريداً في نفوسنا حتى إن بعض الكلمات يصبح مجرد ذكرها مفردةً (أي بدون دخولها في تركيب لغوي) باعثاً لتداعيات نفسية أو فكرية معينة، أو ربما يطلق تصوراتٍ وخيالاتٍ ترتبط بها؛ فكلمة (رائع) مثلاً تعطيك شعوراً بالجمال مع الهيبة أو الشعور بالجلال أو بالرهبة إلى حد معين داخل نفسك، ولذلك قالوا: (الرائع هو الشيء الذي يأسر الفؤاد ويروعه)، أي يرهبه بجماله وعظمته، ومثل ذلك بيت الشعر المشهور في وصف وادٍ:
تروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
وأذكر أننا في طفولتنا كنا نسمع كلمات مثل (الثعلب والضبع والأسد والغول) وغيرها، فتثير فينا كل منها إعجابنا وخوفنا، وذلك لأن كل كلمة منها مرتبطة في خيالنا بأشياء معينة، تلقي بظلالها على نفوسنا.
ونأخذ أيضاً كلمات أخرى ذات مذاق مختلف، أو لها ظلال بعيدة عن السابقة؛ فكلمة (يولج) على سبيل المثال تعني (يُدخل)، ولكن هل الكلمتان متكافئتان فيما يصاحبهما من ظلال تلقيانها في النفس أو من إيحاءات يتلقاها المستمع أو القارئ؟ بطبيعة الحال لا يمكن أن نقول نعم هما متساويتان في ذلك؛ فكلمة (أدخل يُدخل) تعني مطلق الإدخال، وهي ذات طيف واسع ومجال فضفاض، بينما (أولج يولج) ليست كذلك، بل يشعر الإنسان بأن لها خصوصية تلقي بظلها في نفس الإنسان؛ فالإيلاج يعني إدخال شيء في شيء بما يوحي بالصعوبة والدقة وليس كالإدخال العادي، ولهذا فمن المستحيل أن تكون كلمة (يُدخِل) معادلة لكلمة (يولج) أو بديلة لها في قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) [فاطر:13] ...وهكذا. وفي حقيقة الأمر فإن ظلال الكلمات لا تقتصر على إحساس واحد، بل هي إحساس متنوع الأطياف ينبعث في نفس الإنسان ويوجهه إلى الاستخدام الأمثل للكلمات مهما كانت، فتراه يفاضل بين هذه الكلمة وتلك ليرى أيهما أكثر ملاءمةً لغرضه، وأيهما تجعل أسلوبه أكثر سلاسة ومنطقية وقدرة على بيان ما يقصده من معنى.....
[مقتطف من كتابي: (في ظلال فقه اللغة ص175)وهو الكتاب الثالث من سلسلة: نحو تأصيل لغويّ مقنّن ـ تحت الطبع ـ دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ]

0 التعليقات